محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

781

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

حتّى بلغنا أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - أهلّ من الحديبية بالعمرة ؛ فدخل حجرة ؛ فدخل رجل على أثره من بني سلمة ؛ فقال له في ذلك فقال له الرجل رأيتك دخلت ؛ فقال - عليه السلام - إنّي أحمس ؛ فقال الرجل : وأنا أحمس ، أي على دينك ؛ فنزلت الآية . وروي عن البراء بن عازب قال : كانت الأنصار إذا حجّوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلّا من ظهورها ولم يأتوا من أبوابها ؛ وقال الحسن : كان الرجل من أهل الجاهلية إذا خرج إلى سفر فلم يتمّ له ما خرج فيه تطيّر أن يرجع من الباب الذي خرج منه ؛ فأتى بيته من ظهره ؛ فنهاهم عن ذلك ؛ لأنّهم فعلوا ذلك طيرة لا دينا وطاعة . وقال السدّي : كان الناس إذا حجّوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ، بل كانوا يثقبون من أدبارها ؛ فلمّا حجّ رسول اللّه حجّة الوداع أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم ؛ فلمّا بلغ رسول اللّه باب البيت احتبس الرجل خلفه ؛ فقال - عليه السلام - في ذلك ؛ فقال : إنّي أحمس ؛ فقال رسول اللّه وإنّي أحمس ؛ فأدخل ؛ فدخل ؛ فأنزل اللّه الآية . وقوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى « 1 » معناه ولكنّ البرّ برّ من اتّقى مخافة اللّه ، أو معناه ولكنّ البارّ من اتّقى ، ومثله قوله ولكنّ البرّ من آمن باللّه ، وتقوى اللّه إنّما يكون بائتمار أوامره والانزجار عن نواهيه . وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها على العادة الجارية وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تفلحوا والإفلاح الإنجاح وهو درك البغية والنجاة من الهلكة . الأسرار قال الذين أتوا البيوت من أبوابها : إنّ في الآية إشكالات : منها أنّ السؤال عن الأهلّة ، إن كان طلبا لعلّة دقّة الأهلّة كالخيط وزيادتها ونقصانها كما ورد في الخبر ؛ فالجواب بأنّها مواقيت للناس والحجّ لا يكون جوابا عنها ؛ والثاني أنّه لا اتّصال لذلك السؤال والجواب بقوله : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ؛ والثالث أنّ العرب لم فعلت ذلك وكيف استثنى الحمس منهم ؟ ! وإن اعتقدت أنّها برّ وطاعة لكان الحمس الذين هم الأشراف أولى بذلك حتّى يصيروا أبرارا بذلك البرّ .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .